الغزالي
85
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
وقوله له أيضا : « ارع خرافي ، ارع كباشي ، ارع نعاجي » « 1 » . يريد بذلك طوائف أمته . صرّح بهذه الكلمات يوحنّا في آخر إنجيله . ويدل على صحة هذا التأويل أيضا قوله : « إني قبل إبراهيم » . القبلية هاهنا محال أن تكون / مضافة إلى ناسوته ، لا باعتبار انفكاكه عن اللاهوت ، ولا باعتبار تعلقه به ، ومحال أن تكون أيضا مضافة للحقيقة الثالثة ، لما تبيّن ، إذ هذه كلها حوادث لم تكن موجودة عند وجود إبراهيم عليه السلام ، بل المراد بالقبلية علمه بتقدير الإرسال وما يترتب عليه من الإرشاد ، هذا هو المعنى الذي حمله على السرور . فإن قيل : فأي خصوصية له في ذلك ، إذ هذا المحمل مشترك بينه وبين سائر الأنبياء ، بل وبين كل موجود « 2 » ؟ فالجواب : أنه لم يذكر ذلك في معرض الخصوصية ، وإنما / ذكره قاطعا به استبعاد اليهود لسرور إبراهيم وفرحه بيومه ، وتصحيحا لصدقه فيما أخبر ، لأن الأنبياء إذا صدر منهم مثل ذلك ، إنما يصدر في معرض التكذيب لأقوالهم ، وإنما يدّعونه من الرسالة ، ليس ثابتا في نفس الأمر ، فيكون ذلك ردّا على المكذّب وإعلاما له بأن هذه الدعوى ثابتة في نفس الأمر ، مقررة في علم اللّه قديما . ويدل على صحة هذا التأويل أن عيسى عليه السلام إنما ورد منه ذلك حين أعظم اليهود قوله ، قائلين : « لم يأت لك بعد خمسون سنة » / . فذكر حينئذ الجهة المصحّحة لسرور إبراهيم ، فيحصل لهم بذلك استمالة مكذبيهم إلى صدقهم فيما يدعونه من النبوة والرسالة ، وتقوية ظنون مصدّقيهم ، الذين لم يصلوا إلى درجة العلم . وقد ورد مثل ذلك في ألفاظ سيّد المرسلين ، حيث قال : « كنت نبيّا ، وآدم بين الماء والطين » « 3 » .
--> ( 1 ) إنجيل يوحنا - الإصحاح الحادي والعشرين - ( 15 - 17 ) . ( 2 ) في المطبوع : [ موجد ] ! ( 3 ) هذا الحديث لا يصح نسبته إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فهو حديث موضوع . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه تعالى - في « رده على البكري » ( 1 / 65 ، 66 ) : « هذا مما لا أصل له ، لا من نقل ولا من عقل ، فإن أحدا من المحدثين لم يذكره ، ومعناه -